ابن ميثم البحراني

141

شرح نهج البلاغة

وإنّما خصّ التشبيه بمتبتّلى الرهبان لشهرتهم بشدّة التضرّع ، وكذلك الخروج إلى اللَّه من الأموال : والأولاد وهو أشدّ الزهد ، ورتّب ذلك في صورة متصّلة مقدّمها قوله : ولو حننتم إلى قوله : رسله ، وتاليها قوله : لكان ذلك قليلا . إلى قوله : من عقابه . والتماس : مفعول له . وخلاصة هذا المقصود بوجيز الكلام إنّكم لو أتيتم بجميع أسباب التقرّب إلى اللَّه الممكنة لكم من عبادة وزهد ملتمسين بذلك التقرّب إليه في أن يرفع لكم عنده درجة أو يغفر لكم سيّئة أحصتها كتبه وألواحه المحفوظة لكان الَّذي أرجوه من ثوابه للمتقرّب إليه في أن يرفع منزلته من حضرة قدسه أكثر ممّا يتصوّر المتقرّب أنّه يصل إليه بتقرّبه ، ولكان الَّذي أخافه من عقابه على المتقرّب في غفران سيّئة عنده أكثر من العقاب الَّذي يتوهّم أنّه يدفعه عن نفسه بتقرّبه . فينبغي لطالب الزيادة في المنزلة عند اللَّه أن يخلص بكلَّيته في التقرّب إليه ليصل هو إلى ما هو أعظم ممّا يتوهّم أنّه يصل إليه من المنزلة عنده ، وينبغي للهارب من ذنبه إلى اللَّه أن يخلص بكلَّيّته في الفرار إليه ليخلص من هول ما هو أعظم ممّا يتوهّم أنّه يدفع عن نفسه بوسيلته إليه فإنّ الأمر في معرفة ما أعدّ اللَّه لعباده الصالحين من الثواب العظيم ، وما أعدّه لأعدائه الظالمين من العقاب الأليم أجّل ممّا يتصوّره عقول البشر ما دامت في عالم الغربة وإن كان عقولهم في ذلك الإدراك متفاوتة ، ولمّا كانت نفسه القدسيّة أشرف نفوس الخلق في ذلك الوقت لا جرم نسب الثواب المرجوّ لهم والعقاب المخوف عليهم إلى رجائه هو وخوفه . فقال : ما أرجو لكم من ثوابه وأخاف عليكم من عقابه . وذلك لقوّة اطَّلاعه من ذلك على ما لم يطَّلعوا عليه . وأمّا الثالث : وهو التنبيه على عظيم نعمة اللَّه تعالى على العباد فنبّه عليه أنّ كلّ ما أتوا به من الأعمال الَّتي بذلوا جهدهم فيها في طاعة اللَّه وما عساه يمكنهم أن يأتوا به منها فهو قاصر عن مجازاته نعمه العظام . وقد سبق بيان ذلك . ورتّب المطلوب في صورة شرطيّة متّصلة أيضا مقدّمها مركَّب من أمور : أحدها : قوله : لو انماثت قلوبكم . أي ذابت خوفا منه ووجدا منه ، وكنّى بذلك عن أقصى حال الخائف الراجي لربّه في عبادته .